سبانخ
كل ما تتصوره....وأكثر
خروج من الذاكره!!


أتأكد للمرة الأخيرة من اكتمال الأوراق، والشمس ترهق جسدي بحرارتها التي أخذت تتفاقم من بقايا الصباح المهترئ، والشارع مكتظ بالسيارات، وبالناس قرب السور الواطئ الذي يلف مبنى خفيض القامة.

كانت السيارات المرتصة على طرفي الشارع قبالة مبنى الجوازات تمج أصحابها، وفي منتصف الشارع ينسل من الضجيج صمت "الليموزينات" المغادرة.

أطوي الأوراق وأدخل من الفتحة الكبيرة في الجدار التي طلي نصفها بباب مجتازاً الحوش المفروش حول المبنى.كان الهدوء في الداخل أكثر اتساعاً، والممرات في المبنى خافته يهب منها هواء بارد أطفأ جسدي المندفع من الخارج. هدأت أرجائي وأخذ يغلفني هدوء متماسك، وانتظمت حركات أطرافي متلفتاً في الممر الوسيع الذي تتفتق منه ممرات صغيره انتثرت على أطرافها الشبابيك الضيقة.

شعور غريب أخذ ينبض داخلي كالذي أحسسته حين دخلت الجامعة للمرة الأولى حاملاً فاتورة العمر ورأساً مليئاً بذاكرة القرية، كنت يومها كطير جرفته الريح من سمائه لينتفض في حلم ليس له، يومها كنت خائراً على ذاكرتي.

أخطو على إحساسي بهدوء إلى شباك امتلأ الكرسي خلفه بملامح غائمة خلف الزجاج الذي انعكست عليه مصابيح السقف، فاليوم لن يستبد بي الشتات فلدي ما يكفي لفض أي اختناق، ذلك الذي خانني على أبواب المدينة حين أتيت تملأني الحياة البسيطة مشتت في الضوضاء. والمباني التي تنفلت قاماتها في الفضاء تهشم روحي بوحشتها. لكم هجست بالسفر في الليالي القروية. سوف أذهب إلى الجامعة حيث الحياة، والمستقبل المورق. لم تكن السنوات التي ارتفعت بساقيّ قليلاً في الردهات الترابية هناك لتشبع ثورتي ولهجي بالضجيج، ثم هصرتني المدينة. لم أتذكر ما تلكأت به أفواه المعلمين في الصفوف الأولى وحتى قبيل النزوح. كنت صفحة بيضاء، وسختني المدينة.

كان غارقاً في الجريدة أمامه يفصلني عنه حاجز زجاجي شفيف:

ـ لو سمحت أبغى أطلع جواز وهذي الـ ..

دون أن ينظر إلي ناولني ورقة، ودنا أكثر من الجريدة. بطريقة شبه آلية، وبكل ما أوتيت من هدوء أضع الورقة على الطاولة أمامي، وقد استويت على الكنبة الوثيرة في صالة الانتظار.

مازال بياض الورق يتوهج بالتوجس داخلي حين أهم بهتك حياءه. أخرج القلم، وأدلقه على اشتهاء الورقة في حين أخذت الحركة في الممرات تتكثف، والشبابيك أخذت تفيض بالمراجعين فجأة. فربما لم أحضر مبكراً بما فيه الكفاية.

سحنة جامدة يعلوها شماغ متقد، مثبت بعقال حالك، وأسفل هذا يتوهج الثوب ناصعاً، هكذا تفتح أمامي شخص مزدحم خطت على وجهه ابتسامة ناشفة مكملاً بها مشهده. كان ينقل نظراته في الصالة بثقل متجاوزاً هيئتي رغم أني كنت قبالة كيانه. لكني لم أعد أشتد لمثل هذه المقاطع في حياتي. أنفض كل هذا عني، وأهمي على الورقة المنصبة في تهيئي، والصالة غاصة بالناس الآن.

أدلي باعترافاتي بخط جميل طالما أشعل دهشة زملائي في القاعة حين يغيب الدكتور في حديثه المتمهل أسفل انتباهنا. حين انتهيت إلى آخر نقطة في "الاستمارة" وقد اهتزت يدي بالتوقيع، أنخت ظهري لمسند الكنبة خلفي، وقد تفشى في مفاصلي الخدر، والمقعد أمامي فارغ.

أخف مسرعاً عبر الممر المتعمق في المبنى حيث تتكدس أجساد مدعوكة بالضجر والانتظار، متراصة في صف يطول حتى اليأس.

دفعة واحدة استيقظ هذا المبنى، وجرت عروقه بالناس كأنهم كانوا موقوتين خارجه. الصق نفسي آخر "السرة"، والأجساد تتمايل أمامي، والطرف الآخر المنتهي إلى الشباك يبدو بعيداً. لكن لم يبق إلا القليل، فقط مسافة أجساد وأطل من جديد موارباً لاحتمالات النزوح. أخيط ذاكرة جديدة.

لكزة خفيفة في ظهري كانت كفيلة لجعلي أكشط المسافة التي انفتحت أمامي بخطوة واحدة طالت بي إلى الظهر المنتصب أمامي، وعلى جانب من احتدامنا في الصف الطويل كان واقفاً بالهيئة التي كان عليها، وقد أضفت عليها قامته الآن اعتلاء يتواطأ مع واقعيتي في الحكم على نفسي، فلم تعتكر تقاسيم وجهي حين أخذ يتجاوز الوجوه المتصلبة غيظاً، والتي أخذت تسلخ ظهره بنظراتها الحاقدة حين مال بترتيب غترته إلى الشباك، ممرراً أوراقه التي لاتزال تحتفظ برهافتها المستقيمة كشيء من الإتقان الذي يغلفه.

حين أخذ يغيب مبتعداً في الممر، وخلفه النظرات مشتعلة، كانت أوراقه بين الأصابع خلف الزجاج، وكان أسفلها بلون أزرق داكن يبدو واضحاً شكل إبهامه.



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية